باختصار
كان غضب شخص واحد من أجل مستقبل أفضل كفيل بإلهام مواطني زيمبابوي لإيجاد الشجاعة الكافية لمواجهة وإسقاط حاكم مستبد.
ابتدأت القصة يوم الاثنين الموافق 19 نيسان (أبريل) لعام 2016. بدا ذلك اليوم كغيره من الأيام، ولكنه سرعان ما أمسى عكس ذلك تماماً. جلست في مكتبي في الكنيسة بعد نهار طويل من العمل لأجد حلاً يسعفني على تغطية رسوم تعليم بناتي الصغيرات. كانا الإنجيل وعلم زيمبابوي أمامي يحدقان بي فيما أخذت أفكر بتاريخ بلادي.
قبل ذلك ببضعة أشهر، كان قد شهد البنك الاحتياطي لزيمبابوي أزمة سيولة أدت إلى نفاذ احتياطي الدولار الأمريكي وبدء طباعة سندات بنكية. عبر الزيمبابويون عن سخطهم تجاه النظام السياسي بسبب الفساد وغلاء السلع الأساسية وتزايد نسبة البطالة التي بلغت 90 بالمئة آنذاك (التركيز على الاحتياجات الأساسية :مبدأ انظر). ردا على الأزمة، أعلنت الحكومة عن خطتها لاستحداث عملة محلية جديدة والتي كانت ستلحق الضرر بالمواطنين الذين كانوا قد فقدوا قيمة مدخراتهم في محاولة مماثلة أجراها النظام خلال العقد الماضي.
في ضوء هذه الأزمة، لم أكن أستطع تغطية تكاليف دراسة بناتي وحسب، بل كنت أواجه احتمال حقيقي بأن أفقد قدرتي على توفير الطعام لعائلتي. لم أعد أطيق الحالة التي آلت إليها البلاد وكنت أريد أن أخبر الجميع بذلك! (الغضب أفضل مع أخلاقيات عالية :مبدأ انظر) أسندت هاتفي على الإنجيل واحتضنت العلم وبدأت بتسجيل فيديو تحدثت فيه عن معاني ألوان علم زيمبابوي ومن ثم قمت بتحميل الفيديو على حسابي على منصة تويتر.
بلغت الحركة ذروتها عندما أصبح الناس على استعداد لخوض المعركة في الميدان.
تعلمنا في طفولتنا بأن اللون الأخضر في العلم يمثل وعد الازدهار من خلال الإنتاج الزراعي، والأصفر يرمز للثروة المعدنية والاحمر يعني الكفاح من أجل الاستقلال. أما اللون الأسود فيمثل كرامة السود والأبيض يشير إلى السلام. ومع ذلك، بات النظام يهدد حرفيا كل المعاني والرموز التي يحملها هذا العلم.
وفي ليلة وضحاها، بدأ آلاف الناس مشاركة الفيديو واعادة نشره على منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك ويوتيوب. تلقى الفيديو صدى كبيرا لأنه كان يحاكي آلام وآمال الزيمبابويون ويعكس الاحباطات والتطلعات التي تدور في وجدان المواطن العادي. لم يقتصر يتفاعل الناس مع الفيديو لأنه عبر عن واقعهم فقط، بل الأهم من ذلك لأنهم أرادوا استعادة تاريخهم. لقد فقد علم زيمبابوي معانيه الأصلية على مر العقود وتحول إلى رمز تستخدمه وتنتهكه النخبة السياسية الحاكم لاتهام المعارضين بالخيانة أو التأمر على البلاد. ولكن أراد الناس استرجاع وعد الإزدهار وإعادة إحياء معاني العلم ليصبح واقع زيمبابوي واقعاً مشرفاً. (Recapture the flag :مبدأ انظر).
كنا على دراية بأن كل من حاول معارضة النظام في السابق قد اختفى أو أصيب بمكروه ما، ولكننا قررنا، أنا وصديقين، أن نضع خطة لاستثمار الصدى الناتج عن الفيديو وتحويل تلك الشرارة إلى أفعال على أرض الواقع. كبداية، مهمتنا كانت كسر الصمت تدريجيا لمجابهة الخوف الذي غرسته الدولة في قلوب المواطنين عبر انتهاج سياسية القمع والترهيب. طلبنا من الناس أن يتصورا وهم حاملون علم زيمبابوي ونشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي مستخدمين عبارة "هاتيشادا، هاتيشاتيا" (Hatichada, Hatichatya) والتي تعني "لم نعد نتحمل، لم نعد نخاف" في لغة الشونا المحلية، مع وسم ThisFlag# (أي #هذا_العلم) (حملات الهاشتاغ :تكتيك انظر). بعد ذلك، تعهدنا نحن الثلاثة بنشر فيديو جديد كل يوم حتى ذكرى يوم أفريقيا (Build strength through repetition :مبدأ انظر). كنا نريد تشجيع الناس على تخيل المستحيل والتفكير في تحدي النظام كواجب أخلاقي وكفرض عين (كلنا قادة :مبدأ انظر).
في ذلك الوقت، كان التظاهر في الشارع ممنوعا وبالتالي كان نشر الصور أفضل طريقة للتجمهر الإفتراضي وبناء قوة جماعية عبر الإنترنت. وعندما نجحنا في ذلك، آن الآوان لترجمة هذه النشوة الافتراضية إلى عمل ميداني. انطلقت جملة من أفعال العصيان الذكية (إن كان التظاهر ممنوعاً، فلنجعل الحياة اليومية تظاهراً :مبدأ انظر). فعلى سبيل المثال، بدأ الناس يحملون علم زيمبابوي معهم إلى كل الأماكن من المدارس و الشوارع إلى المجمعات التجارية. بلغت حركة ThisFlag# ذروتها عندما أصبح الناس على استعداد لخوض المعركة في الميدان (تكامل العمل بين الأرض والإنترنت :مبدأ انظر).
في 25 أيار (مايو)، أو يوم أفريقيا والذي يمثل اليوم الأخير من سلسلة الفيديوهات اليومية، بدأت الحركة في استهداف مؤسسات الدولة (التصعيد الإستراتيجي :مبدأ انظر) حيث تحدت الحركة رئيس البنك الاحتياطي للظهور في مناظرة عامة، وكم كانت دهشتنا كبيرة بقبوله التحدي. حضر المناظرة أكثر من ألف شخص في أول تجمهر فعلي للحركة. لم تتمكن الشرطة من فض التجمع لأننا عملياً تجمعنا بدعوة من أحد مؤسسات الدولة (Use the law, don’t be afraid of it :مبدأ انظر). تلى ذلك مجموعة من التحركات وصولاً إلى إضراب عام في السادس من تموز (يوليو) 2016. كانت الاعتصامات مازالت ممنوعة وفقاً للقانون، ولكن شارك حوالي تسعة ملايين شخص في الإضراب من جميع أرجاء زيمبابوي، مما تسبب في شلل تام للحياة اليومية على مستوى وطني.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، في أعقاب حركة ThisFlag#، اندلعت هبة واسعة من المظاهرات بقيادة مجموعات وحركات شبابية مؤدية للإطاحة بالرئيس روبرت موغابي الذي حكم البلاد بقبضة من حديد على مدى 37 عام.
إن حركة ThisFlag#، لا تتمثل في شخصي أنا ايفان ماواريري، وانما تمثل كل فرد قرر أخذ مسؤولية التصرف على عاتقه. تعتبر ThisFlag# حركة من كل ولكل مواطني زيمبابوي، وكل منظمة وحزب ونقابة زيمبابوية تحارب من أجل الحرية والحياة الكريمة. حققنا فوزا مهما في 2017، ولكن أهدافنا الأكبر لم تتحقق بعد (الدولة العميقة :نظرية انظر) وبذلك يبقى كفاحنا مستمر.
النظرية الأساسية
استطاع حكم موغابي تطبيع غضب الناس على مر أكثر من ثلاثة عقود واضطر معظم الزيمبابويين للتعايش مع ظروف اقتصادية لا تطاق. ولكن كانت الأعمال الجريئة في مواجهة النظام (من الفيديوهات ومشاركة الصور الشخصية إلى التحركات على أرض الواقع فيما بعد) كفيلة بدغدغة عواطف الشعب مما زاد شعورهم/ن بضرورة التصرف الفوري حتى ولو كان تصرفاً مؤقتا. لعب هذا دورا حاسما في نجاح الإضراب الوطني الذي ضم 9 ملايين مواطن/ة.
التكتيكات الأساسية
قمنا بصياغة الوسوم الرئيسية بحيث تعكس التأطير السياسي للحملة بصورة استراتيجية. ساعد وسم ThisFlag# (#هذا_العلم) استعادة الزيمبابويون فخرهم/ن بالعلم الوطني ومعانيه وتاريخهم/ن التحرري. أما بالنسبة للوسوم الفرعية Hatichada# (#هاتيشادا) و Hatichatya# (#هاتيشاتيا)، فخلقت شعورا بالانتماء إلى مجتمع مستعد للتحرك بشكل جماعي.
المبادئ الأساسية
عندما تم اعتقالي أول مرة، تجمع مئات الأشخاص خارج السجن للمطالبة بإطلاق سراحي (التضامن داخل المُعتَقَل :تكتيك انظر). فإلى جانب تصوير حادثة الاعتقال في الكنيسة والبث المباشر للاعتصام أمام المحكمة، سلط هذا التضامن الضوء على الحراك بشكل أكبر مما وفر بعض الحماية للنشطاء من وحشية النظام.
Timing is everything - في ظل الظروف الاقتصادية في زيمبابوي، كانت الهبة الشعبية التي أضاءت شعلة حركة ThisFlag# والتي حققت الفوز بالنهاية بمثابة قنبلة موقوتة. قامت الحركة بتخطيط تصعيدها الإستراتيجي ليتزامن مع أيام وطنية مهمة مثل عيد الاستقلال. اضافة إلى ذلك، تمت الدعوة إلى الاضراب العام في الوقت التي نفذت فيه أموال الحكومة وتوقفت عن دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية والمعلمين وكثفت المضايقات تجاه سائقي الحافلات الصغيرة وسيارات الأجرة مما زاد من شعور الإلحاح للتحرك.