باختصار
قصة 17 ناشط/ة شاب/ة وضعوا حياتهم على المحك عبر اضرابات عن الطعام و"مظاهرات فجائية" أدت للإطاحة بديكتاتور أنغولا ووضعت حداً لأكثر من 30 سنة من الاضطهاد.
في 7 آذار (مارس) لسنة 2011، نظمت مجموعة من الشباب الأنغوليين أول احتجاج غير حزبي شهدته البلاد منذ 35 عام. فقد قرروا مواجهة عقود من الاضطهاد سعيا لتحقيق العدالة الاجتماعية والحريات المدنية والحقوق السياسية وصولاً إلى الخدمات العامة. تخلل عن الوقفة الاحتجاجية مجموعة سميت ب "تكتل 7311" تيمنا بتاريخ هذه المظاهرة الأولية.
في البداية، لم تكن أهداف التكتل واضحة ولكن المجموعة كانت على يقين من أمر واحد، أنه قد دقت ساعة الوقوف بوجه الدكتاتور خوسي ادواردو دوس سانتوس الذي حكم أنغولا بقبضة حديدية لأكثر من 30 سنة.
على مدى عقود، احتكرت الدولة وسائل الإعلام مما جعل الوصول إلى مصادر الأخبار المستقلة وغير الخاضعة للرقابة أمراً شبه مستحيل. ردا على ذلك، أنشأ التكتل صفحة على الفايسبوك تدعى "7311 المركزية" (Central 7311) للتواصل المباشر مع الجمهور الأنغولي والتعريف بأهدافها ونشر دعوات التحرك من خلالها. بينما كان تواجد أي حراك شعبي على مواقع التواصل الاجتماعي أمراً بديهاً في الدول المجاورة عبر القارة الأفريقية، إلا أن استخدامها في أنغولا كان فعلاً راديكالياً (Define “hardcore” strategically :مبدأ انظر).
أصبحنا بذلك معتقلين سياسيين، ولكننا استمرينا بالنضال من وراء القضبان.
إضافة إلى ذلك، عملت وسائل التواصل الاجتماعي كآلية دفاعية للحفاظ على سلامة النشطاء وضمان سلاسة إدارة عمليات الحركة. كما ولعبت صفحة الفايسبوك دورا حاسما في بناء قنوات اتصال عززت ثقة المؤيدين بالحركة من خلال مشاركتنا لقصص تحاكي المعاناة اليومية التي يعيشها الأنغوليين كسوء ادارة النفايات أو هزالة الخدمات الصحية (Storytelling :تكتيك انظر).
في بادئ الأمر، قمنا بأعمال ابداعية بسيطة مثل الرسم على الجدران ومن ثم انتقلنا إلى تحركات أكبر وأكثر تقليدية كالاحتجاجات الميدانية مما ساعد على إبراز الحراك شيئا فشيئا. ولكن كان هذا النهج سيفا ذو حدين. ففي ظل الديكتاتوريات المترسخة، قد تعرض الأعمال البسيطة النشطاء لخطر أكبر اذ أنها قد تكشف عن هويتهم للنظام بشكل مبكر وتجعلهم مستهدفين من قبل القوى الأمنية. فعلى سبيل المثال، حُكم على أحد النشطاء بالسجن لكتابتهم عبارة "ديكتاتور مثير للاشمئزاز" على جدار في المدينة بينما واجه آخرون مضايقات ومنهم من فقدوا وظائفهم بسبب ارتباطهم بتكتل 7311.
بحلول عام 2014، لم يبقى سوى 17 شخصا من بين الشباب والشابات المؤسسين للتكتل على استعداد لمعارضة النظام علناً. بعد أن أدركنا أن تحركاتنا لم تعد تلفت نظر الرأي العام، قمنا بتغيير أسلوب عملنا (التغيير هو الثابت الوحيد :مبدأ انظر). فعدنا إلى مواقع التواصل الاجتماعي ولكن هذه المرة لنشر تقارير إخبارية حول حول قضايا وطنية مثل عنف الشرطة وقوى الأمن وسوء البنية التحتية وارتفاع معدلات البطالة وغيرها التحديات التي تواجه مجتمعاتنا بشكل يومي.
وقمنا أيضا بإعادة النظر في تكتيكاتنا. انخرطنا فيما سميناه "المظاهرات الفجائية" والتي تتمثل في إقامة مظاهرات غير معلنة وتصويرها ومن ثم تحميل مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي فور القيام بها وكأنها "تحدث الآن". اربك هذا التكتيك الدولة لأنها لم تتمكن من القبض على أي أحد في مواقع التظاهر، وفي ذات الوقت ساهم في إعادة إحياء الأمل لدى الناس الذين فرحوا بعودة المظاهرات تحدياً للقمع الساحق.
في محاولة لإضفاء المزيد من الابداع للحركة، أنشأنا حلقة نقاشية سنة 2015 لتداول كتيب جين شارب المدعو 189 طريقة للحراك السلمي. ولكن تم القبض على أفراد الحلقة بعد أربعة اجتماعات فقط، حيث زعمت الدولة أن الحلقة كانت تنظم انقلاب على نظام الحكم. عندها بدأت محاكمتنا وسميت القضية ب"15+2" لأنه تم توجيه التهم الى شابتين ناشطتين، روزا كوندي وأنا، إلى جانب 15 شاب ناشط. أصبحنا بذلك معتقلين سياسيين، ولكننا استمرينا بالنضال من وراء القضبان، حيث استخدمنا تكتيكات كالتعري والإضراب عن الطعام للمطالبة بحقوقنا وفضح عنف وبطش النظام.
كانت سنة 2016 محورية في كفاحنا حيث أجبرت جهود التضامن المحلي والدولي (التضامن داخل المُعتَقَل :تكتيك انظر) النظام على اطلاق سراحنا كما وأعلن أن خوسيه ادواردو دوس سانتوس الذي ترَأَّس الدولة على مدار 37 سنة لم يعد حاكماً للبلاد.
أدت محاكمات 15+2 والأحداث السياسية التي تلت إلى ظهور العديد من المبادرات في المجتمع الأنغولي من بينها الحركة النسوية ومشروع أوبنتو (Ubuntu) وحراك أونجانغو فيمينيستا (Ondjango Feminista). بالرغم من أن الحريات المدنية لا زالت محدودة اليوم، الا أن انتصارنا الجزئي في الإطاحة بدوس سانتوس مكن الشعب الأنغولي من استعادة بصيص الأمل لمستقبل أفضل (سياسة الرؤية المستقبلية :نظرية انظر) كما ووضع أساس ثابت لاستكمال مسيرتنا النضالية.
التكتيكات الأساسية
استخدم ناشطو 7311 الإضراب عن الطعام بشكل استراتيجي للفت انتباه المجتمع الدولي، مما زاد الضغط على النظام الحاكم بشكل كبير. يعد الإضراب عن الطعام عمل فردي أخلاقي ودراماتيكي، وهو تكتيك "متباين" اذ يمكنه أن يكون فعالا للغاية حتى في مواجهة التفاوت الحاد في موازين القوى (مثل عمل فردي بمشاركة 17 شخصاً في وجه نظام برمته). أثبت التكتيك فاعليته في تجييش عواطف عامة الشعب وبناء زخم سياسي لقضية المعتقلين 15+2 وكذلك في دعم المطالب الأوسع المتمثلة بالحريات المدنية والحقوق السياسية.
كيف يمكننا غرس شعور التمرد على نطاق شعبي واسع دون تعريض أي كان لاعتداءات الأمن الشرسة؟ عن طريق تنظيم سلسلة من الأعمال السريعة وبثها فور حدوثها ومن ثم الفرار من موقع التجمع قبل وصول الشرطة! كانت "المظاهرة الفجائية" من تكتيكات تكتل 7311 الأكثر ابتكاراً وتتقاطع بفحوها مع تكتيكات سرية أخرى استخدمتها الشعوب المقهورة حول العالم في مقاومة الاستبداد والعنف المفرط منها التوزيع السري للمنشورات والاحتجاج بالضجيج (كاسيرولازو) والمسرح الثوري.
المبادئ الأساسية
كنا نعرف أن الفوز بمعركة ضد نظام قمعي يحتكر العنف ووسائل الاعلام أمراً يتطلب منا الحفاظ على الانضباط السلمي، مما جعل اتهام النظام لنا بالارهاب أو الخيانة أمراً صعباً للغاية، خاصة اذ أن هذه هي الذرائع المعتادة التي توظفها وسائل النظام الدعائية والبروباغندا السياسية ضد المعارضة الشعبية.
تعد مطالبنا السياسية مصيرية للغاية لتحقيق العدالة في أنغولا. وبالرغم من ذلك، فإن الواقع المرير الذي يعيشه الشعب بشكل يومي، من سوء الخدمات الصحية ومضايقات الشرطة وبؤس البنية التحتية والبطالة، يجعل هذه القضايا أكثر آلحاحاً. وبالتالي توجب علينا التركيز على الصور والقصص التي تحاكي المعاناة والاحتياجات اليومية للمواطنين مما أسهم بإبقاء تكتل 7311 حياً ومرتبطاً مع مطالب القاعدة الشعبية.