باختصار
طالما ظللنا نتناول "الفقر" في إطار خيري فلا يمكن أبداً تحقيق العدالة. ولمواجهة عملية "الإفقار" لابد من العمل السياسي ضد كل من يتسبّب بالفقر ويستفيدُ منه.
إذن، المهمة الإنسانية والتاريخية العظيمة للمضطهَدين: هي تحرير أنفسهم وتحرير مضطَّهِديهم كذلك. الظالمون، الذين يقمعون، ويستغلون، ويغتصبون بحكم سلطتهم، لا يمكنهم أن يجدوا في هذه السلطة، القوة لتحرير المظلومين أو تحرير أنفسهم. القوة التي تنبع من ضعف المظلومين هى الوحيدة القادرة بما فيه الكفاية لتحرير الاثنين على حد سواء. أي محاولة ل"تليين" قوة الظالم احتراماً لضعف المظلومين تكون دائماً فى شكل من أشكال السخاء الكاذب. في الواقع، لم تذهب أي محاولة إلى أبعد من ذلك. ومن أجل أن تتاح تلك الفرصة للظالم للتعبير عن "الكرم”، فلابد من أن يكون الظلم موجوداً أيضاً. والنظام الاجتماعي الظالم هو ينبوع دائم لهذا النوع من "السخاء الكاذب"، والتي يتغذى عليها بالموت، واليأس، والفقر. و لهذا يصبح موزعو هذا السخاء الكاذب في حالة خوف حينما يصيب مصدرَ هذا السخاء مكروه.
إن الكرم الحقيقي هو، على وجه التحديد، في القتال من أجل تدمير الأسباب التي تغذي تلك الأعمال الخيرية الكاذبة. فالأعمال الخيرية الكاذبة تلك مليئة بالخوف والقمع و”رفض الحياة” الكريمة للفقراء. والكرم الحقيقي يكمن في التغيير الذي يمنع مد تلك الأيادي الطالبة للعون سواء أكانت أفراداً أم شعوباً، لكى تصبح تلك الأيادي، أياديَ إنسانية تعمل لكي تغير العالم.
— الفيلسوف البرازيلى باولو فرير، من كتاب بيداغوجيا المقهورين.
الأصول
الفيلسوف البرازيلى باولو فرير، من كتاب بيداغوجيا المقهورين.
لكى يكون ثمة منقِذ، يجب أن يكون هناك من هم بحاجة إلى "إنقاذ". وبمعنى آخر، المنقذ يريد وجود ضحايا. وهذه هي إذن عملية صنع الضحايا البشرية اللازمة في “منظومة المنقِذ”. وبالضرورة، فإن منظومة الإنقاذ عند هؤلاء المحظوظين البيض تتطلب إظهار إفريقيا بجسمها الأسود كضحية، ولذا فقط أصبح من المقبول عند الغرب إظهار إفريقيا بما ليس فيها:
"الأفارقة، من وجهة النظر تلك، فوضويون وغير منظمين، هم رجعيون وليسوا حداثيين.. قبليون وليسوا ديموقراطيين، متأخرون وليسوا متقدمين، وهم غير منطقيين، إنهم يفتقرون إلى كل هذه الاشياء التي يعتبر الغرب أنه يمتلكها. هؤلاء الغربيون البيض ما زالوا يعتبرون أنفسهم حماة للحضارة، وصانعين للتنمية، بينما هؤلاء السود "الآخرون" الذين يعيشون في حقبة ما بعد الاستعمار، هم غير متحضرين وغير مستنيرين، و مصيرهم هو أن يكونوا محط اهتمام التنمية."
“The missionary position: NGOs and development in Africa” | F Manji and C O’Coill, International Affairs 78 (3), 2002).
إن المنقذين لا يمكن أن يعيشوا في عالم يستطيع فيه الناس أن يستعيدوا السيطرة على مصائرهم ويتمسكوا بكرامتهم وإنسانيتهم، ويخلقوا هياكل لتقرير مصير أنفسهم، وأن يلبوا احتياجاتهم الأساسية ويأخذوا قرارات جماعية، ويفتخروا بثقافتهم ويتوقفوا عن أخذ صدقات ومعونات وإغاثات للتنمية.
ولكن للحفاظ على هذه الصورة لإفريقيا فلا بدَّ من تواطؤ الدول الإفريقية والمنظمات غير الحكومية الإفريقية، لتنفيذ الصيغة الخاصة بها من العنف. ويتطلب ذلك عنفاً مقابل ما عانته إفريقيا من تدمير للقيمة الذاتية وحق في تقرير المصير والكرامة التي كانت، على سبيل المثال النجاح الوحيد لتوماس سانكارا فى ثورة بوريكينا فاسو http://www.redpepper.org.uk/thomas-sankara-an-african-leader-with-a-message-for-europe. ويصبح هذا العنف ضروري أيضاً عندما يستخدم الحكام الجدد الدولة كوسيلة للاستيلاء على الثروة من خلال التهجير القسري (الليبرالية الجديدة :نظرية انظر).
إن بقاء المنظمات غير الحكومية على قيد الحياة يعتمد على تلقي الصدقات من صناعة التنمية التي يقوم بها المنقذ الأبيض، فهي متواطئة معه في الإبقاء على صورة الخنوع والعجز والبدائية، أي صورة إفريقيا الضحية التي تحتاج إلى إنقاذ. إن تواطؤ تلك المنظمات وأيضاً، في الحقيقة، تواطؤ القادة الأفارقة لجعل الأفارقة يكرهون هويتهم، هو شيء مؤلم وفى الأغلب شيء لا يعترف به الكثيرون. فهو تعبير حديث لفكرة فانون القديمة جلود سوداء وأقنعة بيضاء التي هي شكلٌ من أشكال العنف.
إن المنقذين لا يمكن أن يعيشوا فى عالم يستطيع فيه الناس أن يستعيدوا السيطرة على مصائرهم ويتمسكوا بكرامتهم وإنسانيتهم، ويخلقوا هياكل لتقرير مصير أنفسهم، ويلبوا احتياجاتهم الأساسية، ويأخذوا قرارات جماعية، ويفتخروا بثقافتهم ويتوقفوا عن أخذ صدقات ومعونات وإغاثات للتنمية.
لكي نواجه عملية الإفقار فلابد من أن يكون هناك عمل سياسي ضد أولئك الذين يصنعون و يستفيدون من تلك الحالة. ويتطلب ذلك من النشطاء أن يستعدوا للتضامن مع الجهود التي يبذلها الفقراء لتحقيق العدالة، وتعميمها، والاستعداد لمحاربة الشركات التي تجني أرباحاً طائلة من استغلال حالتهم.
أمثلة من الواقع

“Singer said in the same 'great' week he was booed at the TED conference in Arusha, Tanzania.”

“We rarely connect our wealth and the poverty of others. To make poverty history, we need to Make Affluence History.”