باختصار
ما الذي يمكننا فعله إن كان المجرمون أو المسؤولون الفاسدون خارج سلطة القانون؟ اعتقالهم بأنفسنا!
يعد الاعتقال المدني شكلاً من أشكال التحرك المباشر حيث يقوم المواطنين بالقاء القبض على شخص يعتبرونه مجرماً. يمكن لهذا النوع من الاعتقال أن يكون فعلي أو رمزياً. يكون للاعتقال الفعلي بعداً ملموساً كتحويط سيارة مسؤول فاسد من كافة الجهات حتى تصل الشرطة لتقوم باعتقال رسمي. أما بالنسبة للتوقيف الرمزي، قد يتمثل بمذكرة توقيف رمزية لمدير تنفيذي لشركة ما تسعى لعرقلة الإصلاح في قطاع الصحة، على سبيل المثال، معتبرين ذلك بمثابة جريمة القتل بغير عمد. تعود هذه الممارسة شبه القانونية إلى القانون الإنجليزي المشترك في القرون الوسطى حيث كان عُمد الشرطة يشجعون المواطنين العاديين على المساعدة في القبض على من يخالف القانون.
سنة 2018 في بوشينيي بأوغندا، تم منح مهندس المقاطعة، ديوس باينغانا، 000 100 دولارا أمريكيا لاصلاح الطرقات المحلية إلا أنه لم يقم بذلك. فخرج مئات المواطنين الغاضبين إلى مقر المقاطعة دافعين المهندس بالهروب إلى سيارته حيث اشتبك هناك مع المواطنين الذين قاموا بتطويق سيارته وقطع اطارات عجلاتها، الأمر الذي كان مثيرا للسخرية علماً بأن المال المختلس كان مخصصا للطرقات. في النهاية، قامت الدولة بإصدار لائحة اتهام ضده واجباره على اصلاح الطرقات.
سنة 2003، شن الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير حربا عدوانية وغير مبررة على العراق أدت إلى الخراب والدمار المذابح. ومع ذلك، وبعد أكثر من عقد على العدوان، لم يتم اعتقالهما أو محسابتهما على الجرائم المرتكبة. دفع هذا الظلم الفادح الصحفي البريطاني جورج مونبيوت إلى اطلاق حملة "اعتقلوا بلير"، مما ألهم عدد كبير من المواطنين الشرفاء إلى محاولة اعتقال بلير بموجب "قانون اعتقال المواطن". بالرغم من أنه لم يوافق على تسليم نفسه إلى مركز الشرطة المحلي، إلا أن هذه "الاعتقالات" نجحت في تسليط الضوء على جرائم الحرب البشعة التي ارتكبها بلير، كما ونجحت في تحدي ثقافة الإفلات من العقاب التي مكنت هؤلاء المجرمين من ارتكاب جرائهم دون مساءلة.
يجب أن يكون الاعتقال المدني وسيلة للناس الأقل قوة لمحاسبة الأقوى وذوي السلطة في المجتمع.
واذا أردنا مقارنة حملة اعتقال بلير بمثال بوشينيي والذي يعتبر تحرك أكثر راديكالية، فسوف نرى بأن نموذج بلير هو نسخة ناعمة من ذات التكتيك، سواء أكان تنفيذه مسرحياً أو استعراضياً أو رمزياً. ومن الجدير بالذكر أمثلة أخرى للنموذج الناعم من الاعتقال المدني كالمشهد في فيلم الرأسمالية: قصة حب الذي حاول فيه مايكل مور، مخرجاً في الانتاج السينمائي السياسي، بتنفيذ اعتقال مدني ضد كل شخص في وول ستريت. وبالمثل، شارك هذا المؤلف سنة 2009 في تجمع للمواطنين حاولت فيه مجموعة من كبار الشخصيات من رؤساء الاتحادات العمالية دخول أحد الفنادق في العاصمة الأمريكية حيث كان يختبأ مسؤولين تنفذيين في قطاع التأمينات الصحية اذ كان يهدف التجمع إلى تنفيذ اعتقال مدني لأولئك المسؤولين بـتهمة "جريمة قتل بغير عمد" بسبب تآمرهم ضد اصلاح الخدمات الصحية العامة.
تصاحب كلا النماذج الناعمة والراديكالية من تكتيك الاعتقال المدني مستويات مختلفة من المخاطر التي تختلف بشكل ملحوظ من دولة إلى أخرى ومن سياق إلى آخر. وتجدر الاشارة أيضا إلى أن هذا التكتيك يمكن استخدامه، للأسف، من قبل المجموعات الأكثر قوة، وأحيانا الأكثر عنصرية، ضد الفئات المستضعفة. فعلى سبيل المثال، قام حرس الحدود على امتداد الحدود بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك سنة 2019 بتنفيذ "اعتقال مدني جماعي" ضد المهاجرين واللاجئين مما يدفعنا إلى التساؤل عن الأخلاقيات (المشهد الأخلاقي :نظرية انظر) التي يجب أن توجه كيفية تنفيذنا لتكتيك الاعتقال المدني؟ فكرنا بالآتي كأسس أولية:
مواجهة المتنفذين وأهل السلطة - يجب أن يكون الاعتقال المدني وسيلة للناس الأقل قوة لمحاسبة الأقوى وذوي السلطة في المجتمع.
السلمية - إن الاعتقال المدني ليس عملية اختطاف أو عملية سوداء ولا عملا ارهابيا أو ترهيبا، ولا يجب أن يشعر المتلقين للتكتيك بأنهم يتعرضون لذلك.
القصدية - لتكن دوافعنا واضحة ولنخطط بعناية ونحافظ على وحدة صفوفنا. فلنتبع البروتوكولات القانونية والثقافية الخاصة في سياقنا وإذا قررنا تجاوزها، فعلينا أن نقوم بذلك بحكمة وتأني.
الشفافية - لنقم بتنفيذ الاعتقال في الأماكن العامة وفي وضح النهار. اذكر/ي أسباب الاعتقال بوضوح وقدم/ي أدلتك. ويمكنك حتى دعوة أحد المتفرجين من العامة للشهادة و/أو المشاركة في الاعتقال.
الارتكاز - لا تجري الاعتقال قبل بذل العناية الواجبة والقيام بالبحث والتخطيط اللازم. لنتأكد من أن تبريرنا للاعتقال واضح ومنطقي ومدروس.
عندما ننفذ تكتيك الاعتقال المدني، فاننا نسعى لتحقيق العدالة بأيدينا حرفياً ورمزياً. قد يكون الاعتقال المدني ضرورياً وغالباً ما ينتج عنه قوة تمكينية هائلة ولذلك فقد يصبح خطراً. ولكن، عندما تبقى أهدافنا واضحة وعندما نتبع أسس أخلاقية سليمة، فستكون العدالة قد رست في أيدي أمينة.
المبادئ الأساسية
في التخطيط للاعتقال المدني، علينا توقع ردة فعل خصومنا اذ أنهم سيحاولون اتهامنا بالشغب والفوضى بغض النظر عن سلمية ولباقة تنفيذنا للتكتيك ومع ذلك فلا يجب أن نجعل ذلك الاتهام سهل التوجيه. استباقاً لهذا الرد، يجب علينا أن نحافظ على انضباطنا السلمي، الشيء الذي سيأخذ أشكالاً مختلفة حسب السياق المحلي. فمثلاً، عندما تم اعتقال السيد باينغانا في أوغندا بسبب اختلاس العوائد الضريبية، قام المواطنون بقطع عجلات سيارته لمنعه من الفرار ولم توجه الدولة تهمة "تدمير الممتلكات" لأي من المشاركين بعد أن أمسكوا به وقاموا بتسليمه للشرطة. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فلا يجب أن يمس المواطنين الشخص المعني جسدياً ضد ارادته/ا إن كانوا يرغبون في التصرف وفقا للقانون المحلي.
كما علينا مراعاة الحقوق القانونية والعوامل الثقافية وغيرها من الاعتبارات لتحديد كيفية تنفيذ الاعتقال بشكل دقيق. لنأخذ بعين الاعتبار هذه العوامل ومعرفتنا بالسياق المحلي عندما نقرر متى يكون لدى استخدامنا للقوة تبريراً استراتيجيا، ومتى يجب علينا الامتناع عن استخدام القوة لكي لا تصنف بالعنف.
أمثلة من الواقع

British DJ and barkeep tries to arrest ex-Prime Minister Tony Blair for war crimes.