نظرية

القضاء على السجون

“منظومة السجون المخصخصة” عمل فني لنتاشا مايرز (CC BY-SA 2.0). يشكل السود واللاتينيون 60% من 2.3 مليون نسمة في السجون ومراكز الاعتقال والاحتجاز في الولايات المتحدة.

باختصار

نظرية "القضاء على السجون" هي رؤية سياسية وتحليل بنيوي للاضطهاد وإستراتيجية تنظيم عملية وصولاً لمجتمع يجابه المخاطر دون الاعتماد على الأنظمة العُنفية مثل الشرطة أو الجيش أو السجون.

لنتخيل مجموعة من الإستراتيجيات والمؤسسات البديلة للوصول للهدف النهائي وهو القضاء على السجن في المساحات الأيديولوجية والاجتماعية في مجتمعنا.

— أنجيلا ديفيس هل السجون بائدة؟

في الوقت الحاضر، يناقش ويفكر المزيد من الناس في القضاء على السجون أكثر من قبل. أوصلتنا، عقود من التنظيم الجمعي إلى هذه اللحظة: انتبه البعض مؤخرًا إلى أن أنظمة العقاب الجنائي والسجون والشرطة برمتها هي عنصرية وقمعية وغير مجدية.

لكن ما زال البعض يتساءل، هل القضاء على السجون أمر متطرف جداً؟ هل يمكننا في حقيقة الأمر التخلص من السجون والشرطة؟ الإجابة القصيرة هي: نحن نستطيع ويجب أن نتخلص منها.

إن القضاء على مجمع السجون الصناعية هو رؤية سياسية وتحليل بنيوي للاضطهاد وإستراتيجية تنظيم عملية. فيما يعتقد بعض الناس أن القضاء على السجون هو مشروع سلبي في الأساس – بمعنى: "لنسقط كل شيء غداً ونأمل الأفضل" – إلا أن القضاء على منظومة السجون المخصخصة هو رؤية لمجتمع مُعاد بناؤه في عالم نمتلك فيه كل ما نريد: الطعام والمأوى والتعليم والصحة والفنون والجمال والمياه النظيفة وغير ذلك من الأمور الأساسية لسلامتنا الشخصية والمجتمعية.

كل رؤية هي في ذات الوقت خريطة. كما علمنا المناضل من أجل الحرية كوامي تورى، "عندما ترى أناساً يصفون أنفسهم بالثوريين ويتحدثون دائماً عن التدمير والتدمير والتدمير ولكن لا يتحدثون مطلقاً عن البناء والتعمير، فهم في حقيقة الأمر ليسوا بثوريين. إنهم لم يفهموا أول خطوة في الثورة. إنها الإيجاد." إن القضاء على منظومة السجون هو مشروع إيجابي يركز جزئيا على بناء مجتمع يكون من الممكن فيه مجابهة الأذى والخطر دون الاعتماد على بنى الاضطهاد أو أنظمة العنف التي تزيده.

قد يسأل البعض، "هل هذا يعني أنني لا يمكنني أبدا الاتصال بالشرطة إذا كانت حياتي في خطر جدي؟" لا يمركز القضاء على السجون هذا السؤال، بل يتحدانا بطرح السؤال الآتي: "لماذا لا نمتلك خيارات وموارد بديلة؟" ويدفعنا لنفكر بإبداعية كيف ننمي ونبني ونجرب السبل الأخرى لتقليص الأذى. إن المحاولات المتكررة لتطوير الخيار الوحيد الذي تقدمه الدولة، رغم ثبات فساده وضرره، لن يقلل ولن يجابه الأذى الذي كان سبباً في ضرورة اتصالك بالشرطة. نحن نحتاج خيارات أفضل وأكثر لأكبر عدد من الناس.

إن رحلة المؤمنين بالقضاء على السجون تولد أسئلة أخرى تقودنا لطرق تغييرية وذات مغزى، مثل:ما الغاية الحقيقية للشرطة والسجون؟؟ يعتقد معظم الناس أن السجن يساعد في تقليل معدلات العنف والجريمة، متوهمين أنه "قد يكون نظام العقوبات الجنائية عنصرياً وذكورياً وطبقياً وظالماً ويميز ضد الأضعف جسدياً إلا أنه على الأقل يحمينا من العنف والجريمة."

لا نبدأ رحلتنا في القضاء على السجون بسؤال، " ما الذي لدينا اليوم وكيف نجعله أفضل؟" بل نبدأها بسؤال "بماذا نحلم لأنفسنا وللعالم؟". إذا فعلنا فإن احتمالات عالم أكثر عدلاً لا حدود لها تنتظرنا.

لكن للحقائق والتاريخ قول آخر: لزيادة معدلات الاعتقال أثر هامشي على معدلات الجريمة. كما تفيد الأبحاث والمنطق العام بوجود علاقة طردية بين الهشاشة الاقتصادية ومعدلات الجريمة. علاوة على ذلك، إن الأذى والجريمة ليسا أمرين متطابقان. ليس كل ما تم تجريمه مؤذياً وليس بالضرورة كل ما هو مؤذي مُجَّرم. على سبيل المثال، قيام المشغلون أصحاب العمل ببسرقة أجور العمال ليس مُجَّرماً في أغلب الحالات، لكنه بالتأكيد يلحق الضرر والأذى بالعمال.

حتى لو كان نظام العقوبات الجنائية خالٍ من العنصرية والطبقية والذكورية وغيرها من أشكال العنصرية والتمييز، فإنه لن يكون قادراً على مجابهة العنف بفعالية. على سبيل المثال، إذا أردنا التقليل من (أو القضاء على) العنف المبني على أساس الجندر والجنس، فإن وضع بعض المجرمين في السجن سيفعل القليل لوقف كل المجرمين الآخرين. كما أنه لا يغير الثقافة السائدة التي تجعل هذا الأذى وارد الحدوث، ولا يحاسب المجرمين ولا يدعم تطورهم إلى الأفضل بشكل جذري ولا تلبية احتياجات الناجيات/ين.

برزت حركة العدالة التحويلية بقيادة السود والسكان الأصليين والملونين الناجين من العنف في العقدين الأخيرين لطرح رؤية مختلفة لإنهاء العنف ولتغيير مجتمعاتنا.

إن خلو العالم من الأذى هو غير ممكن وليس هذا ما تسعى رؤية القضاء على السجون لتحقيقه. فإن ممارسة وسياسة القضاء على السجون تفيد بأن التخلص من الناس بوضعهم خلف قضبان السجون والمعتقلات لا يحقق شيئا يذكر في منع أو تقليل أو تحويل الأذى بصورة إجمالية. قد يشجع الناس على محاسبة أنفسهم على أفعالهم في حالات نادرة جداً.

إن نظام فض النزاعات القضائي المبني على الخصومة والتنافس لا يشجع الناس على الاعتراف فضلا عن تحمل مسؤولية الأذى الذي تسببوا به. في نفس الوقت، يجعلنا هذا النظام نتجنب مسؤولياتنا في محاسبة بعضنا البعض، وتحميلها لطرف ثالث – الطرف الذي وجد للتغطية على الفشل السياسي والاجتماعي. إن مِخيَال القضاء على منظومة السجون والعقاب يضعنا على طريق مختلف لا نستبدل فيه مجمع السجون الصناعية بأنظمة قمعية أخرى مشابهة.

لا يمتلك أحدنا كل الإجابات، وإلا لكنا قد تخصلنا من الاضطهاد. ولكن، إذا واصلنا بناء العالم الذي نريد، وجربنا أشياء جديدة، وتعلمنا من أخطائنا، حينها ستولد احتمالات جديدة.

فيما يلي كيف نبدأ.

أولاً، حينما نبدأ المحاولة في تغيير مجتمعنا جذرياً، يجب أن نتذكر أننا بحاجة لأن نغير أنفسنا جذرياً كذلك. قد تكون قدرتنا على تخيل عالم مختلف محدودة. إن وعينا مقيد بنفس الأنظمة التي نحاول تغييرها. فوقية العرق الأبيض والعنصرية ضد النساء والتمييز ضد الأضعف وذوي الإعاقات والطبقية والعداء للمثلية كل ذلك موجود في كل مكان. لقد تشرّبنا هذه الأفكار العنصرية. فحتى إذا انتهى الاضطهاد غداً، فمن المحتمل أننا سنعيد إنتاج البنى السابقة. إن وجود في علاقة قصدية مع الآخرين كجزء من الجماعة يساعدنا على تخيل عوالم جديدة وتخليل أنفسنا بشكل مختلف كذلك. لننضم للعديد من المؤسسات والمجموعات الإيمانية والتجمعات التي تعمل على تفكيك ما تعلمناه واكتساب معرفة جديدة – قد يكون ذلك عبر إعادة تصور مفاهيم مثل ماذا يعني أن نكون نحن بأمان أو فضج ومواجهة فوقية العرق الأبيض والرأسمالية العرقية.

ثانياً، يجب أن نتخيل ونختبر بنى جمعية جديدة تمكننا من اتخاذ خطوات مبدئية، من قبيل تحمل المسؤولية الجماعية في حل النزاعات. يمكننا أن نتعلم من الحركات الثورية مثل حركة العمال الزراعيين بلا أرض في البرازيل (Movimento dos Trabalhadores Rurais Sem Terra)، التي لاحظت أننا نقلل العنف والجريمة حينما نقيم بنى اجتماعية أقل هرمية وأكثر شفافية.

ثالثاً، يجب أن ننخرط في نفس الوقت في إستراتيجيات تقلل تعامل الناس مع أنظمة العقاب الجنائية. ينخرط أنصار القضاء على السجون بشكل منتظم في تنظيم حملات وجهود للتعاون المتبادل التي تقربنا من تحقيق أهدافنا. يجب أن نتذكر أن الهدف ليس إقامة سجون وشرطة أكثر لطفاً لأن، كما أشرت سابقاً، السجن والشرطة الأكثر لطفاً لا يمكنهما مجابهة العنف بالقدر الكافي. بدلاً من ذلك، نريد أن نقاطع ونسحب استثماراتنا من هذه الأنظمة بينما نقوم بصنع العالم الذي نرغب أن نعيش فيه.

رابعاً، كما أشارت الكاتبة والناشطة روث ويلسون جيلمور، لا يتطلب بناء عالم مختلف تغيير طريقة مواجهتنا للأذى فحسب، بل لابد من تغيير كل شيء. إن مجمع السجون الصناعية مرتبط في منطقه وعمله بكل الأنظمة الاستبدادية الأخرى – من كيفية طرد الطلبة من المدارس في حال قصور أداءهم عن المتوقع وحتى إقصاء ذوي الإعاقات من مجتمعاتنا وإلى طرق معاملة العمال كأداة يمكن الاستغناء عنها في نظامنا الرأسمالي.

قد يبدو تغيير كل شيء مرهقاً، لكنه يعني في نفس الوقت وجود عدة أماكن لنبدأ منها، وفرص لا تنتهي للتعاون، وتدخلات وتجارب متخيلة لا حصر لها. لا نبدأ رحلتنا في القضاء على السجون بسؤال، " ما الذي لدينا اليوم وكيف نجعله أفضل؟" بل نبدأها بسؤال "بماذا نحلم لأنفسنا وللعالم؟". إذا فعلنا فإن احتمالات عالم أكثر عدلاً لا حدود لها تنتظرنا.

نُشرَ في الأصل كمقالة بعنوان “إذًا، إنك تفكر بأن تؤيد القضاء على السجون؟” في كتاب سنقاوم حتى نتحرر لمريام كاب، صادر عن دار نشر هاي ماركت في 2021. أعيدت طباعته بإذن من المصدر.